المدونة

دولار بـ1320 وآخر بـ1520: من يصنع فجوة سعر الصرف في العراق ومن المستفيد منها؟

١٤ تموز ٢٠٢٦ · 19 دقائق قراءة
دولار بـ1320 وآخر بـ1520: من يصنع فجوة سعر الصرف في العراق ومن المستفيد منها؟

العراق لا يعاني من نقصٍ مطلق في الدولار، بل من انقسام سوق العملة إلى مسارين: دولار رسمي يخضع للوثائق والامتثال المصرفي، ودولار موازٍ يمول التجارة غير المنظمة والتحويلات النقدية والطلب الذي لا يستطيع المرور عبر النظام المالي. وبين السوقين تتشكل أرباح ضخمة يدفع ثمنها المواطن.

بقلم: د. علي الراوي – خبير اقتصادي

منذ سنوات، يسمع المواطن العراقي سعرين مختلفين للدولار في اليوم نفسه: سعر رسمي تعلنه الدولة وتبيعه المصارف والمؤسسات المالية المعتمدة، وسعر آخر تحدده بورصات بغداد ومحال الصيرفة والسوق الموازية.

وفق النشرة الرسمية للبنك المركزي العراقي، يبلغ الحد الأقصى لسعر بيع الدولار من المصارف والمؤسسات المالية 1320 ديناراً للدولار الواحد. لكن الدولار في السوق الموازية يُباع غالباً بمستويات أعلى، وقد تجاوز في بغداد خلال 12 تموز 2026 مستوى 154 ألف دينار لكل 100 دولار في بعض التعاملات. وحتى إذا استخدمنا سعراً أكثر تحفظاً يبلغ 152 ألف دينار لكل 100 دولار، فإن الفجوة تبقى عند نحو 20 ألف دينار لكل ورقة من فئة 100 دولار.

هذا ما يسميه العراقيون أحياناً «فرق عشرين نقطة»، لكنه اقتصادياً يعني:

السعر الرسمي: 1320 ديناراً للدولار.

السعر الموازي: 1520 ديناراً للدولار.

الفارق: 200 دينار عن كل دولار.

أي إن سعر السوق الموازية يزيد على السعر الرسمي بنحو 15.2%.

وعند شراء 100 دولار، يدفع المواطن أو التاجر في السوق الموازية 20 ألف دينار إضافية. وعند شراء عشرة آلاف دولار، يصبح الفارق مليوني دينار. أما عند تمويل استيراد بقيمة مليون دولار، فيصل الفرق النظري بين السعرين إلى 200 مليون دينار عراقي.

هذه ليست أرقاماً صغيرة أو مجرد فروقات تحدث داخل محال الصيرفة، بل هي عملية إعادة توزيع واسعة للأموال بين فئات تمتلك القدرة على الوصول إلى الدولار الرسمي، وفئات أخرى مضطرة إلى شرائه من السوق الموازية.

هل يوجد في العراق سعر صرف واحد أم سعران؟

من الناحية القانونية، يمتلك العراق سعراً رسمياً واحداً، ويصنف صندوق النقد الدولي نظام الصرف العراقي باعتباره نظام ربط تقليدي، بعدما حُدد سعر البيع الرسمي للمؤسسات المالية عند 1320 ديناراً للدولار منذ شباط 2023.

لكن من الناحية الاقتصادية، توجد سوقان مختلفتان:

السوق الأولى هي السوق الرسمية، التي تمر من خلالها التحويلات التجارية المستوفية للوثائق ومتطلبات معرفة الزبون ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

أما السوق الثانية فهي السوق الموازية، التي تلبي الطلب النقدي والتجاري والتحويلي الذي لا يستطيع، أو لا يرغب، في المرور عبر المصارف والقنوات الرسمية.

ولذلك، فإن الفجوة لا تعني أن البنك المركزي لا يعرف سعر الدولار الحقيقي، ولا تعني بالضرورة أن احتياطيات العراق غير كافية. بل تعني أن الوصول إلى الدولار بالسعر الرسمي ليس متاحاً لكل شخص ولكل معاملة ولكل نوع من أنواع التجارة.

الدولار الرسمي ليس ورقة نقدية معروضة للجميع بلا شروط، وإنما سعر مدعوم لإجراء معاملات محددة ومثبتة. أما الدولار الموازي فهو متاح لمن يدفع سعره الأعلى، غالباً من دون الحاجة إلى تقديم الفواتير والتصريحات والوثائق المطلوبة في النظام المصرفي.

وهنا تتشكل المشكلة الأساسية: الدولة تحدد السعر، لكن السوق تحدد من يستطيع الحصول عليه.

كيف تغير نظام بيع الدولار؟

حتى نهاية 2024، كان البنك المركزي العراقي يستخدم نافذة بيع العملة الأجنبية لتلبية جزء كبير من الطلب على الدولار. لكن منذ كانون الثاني 2025، انتقلت التحويلات التجارية الدولية المشروعة إلى المصارف التجارية، التي تنفذها عن طريق حساباتها وعلاقاتها مع المصارف المراسلة في الخارج، بينما أصبح دور البنك المركزي يتركز على تمويل أرصدة المصارف والرقابة والتدقيق.

هذا التحول كان ضرورياً لإدخال التجارة العراقية ضمن النظام المالي الدولي، والتأكد من أن الأموال تذهب إلى مورد حقيقي مقابل سلعة حقيقية، ولا تتحول إلى جهات محظورة أو شركات وهمية.

لكن النظام الجديد خلق تحدياً انتقالياً واضحاً: التاجر المنظم الذي يمتلك شركة مسجلة وفواتير صحيحة وحساباً مصرفياً ومورداً معروفاً يمكنه الحصول على تمويل بالسعر الرسمي. أما التاجر غير المسجل، أو الذي يستورد بطرق غير منظمة، أو يقدم فواتير غير مقبولة، فيضطر إلى شراء الدولار من السوق الموازية.

لذلك تحولت الفجوة إلى ما يشبه كلفة إضافية على التجارة غير الرسمية، وكلفة مخاطر على التحويلات التي لا يستطيع النظام المصرفي الدولي قبولها.

السبب الأول: وجود تجارة كبيرة خارج النظام المصرفي

جزء مهم من التجارة العراقية لا يزال يعمل بالنقد. بعض التجار يشترون بضائعهم من أسواق إقليمية عبر وسطاء، أو يدفعون نقداً، أو يستوردون عبر الحدود من دون وثائق وفواتير مطابقة للقيمة الحقيقية.

هذه التجارة تحتاج إلى الدولار، لكنها لا تستطيع دائماً تقديم الملفات المطلوبة للحصول عليه رسمياً.

وقد أكد صندوق النقد الدولي أن تقليص الفجوة يحتاج إلى تحسين إجراءات الجمارك على الحدود والحد من التهريب والتجارة غير الرسمية، ما يعني أن المشكلة ليست نقدية فقط، بل مرتبطة أيضاً بطريقة دخول البضائع إلى العراق وتسجيلها وتسديد أثمانها.

فعندما تدخل بضاعة بقيمة مليون دولار، لكن الوثائق الجمركية تظهرها بقيمة أقل، أو عندما تدخل من دون تسجيل كامل، يصبح من الصعب تمويل قيمتها الحقيقية عبر التحويل المصرفي الرسمي.

التاجر في هذه الحالة يتجه إلى السوق الموازية، فيرتفع الطلب على الدولار النقدي، ويرتفع معه السعر.

السبب الثاني: العقوبات والطلب الإقليمي على الدولار

العراق لا يقع في منطقة اقتصادية طبيعية. فهو مجاور لدول وكيانات تواجه عقوبات مالية ومصرفية دولية، وتحتاج إلى الدولار لإتمام التجارة والتحويلات الخارجية.

وعندما يصعب على هذه الجهات الحصول على الدولار مباشرة، يصبح العراق واحداً من الأسواق التي يمكن أن تتسرب منها العملة عبر التجارة أو التحويلات أو حمل الأموال نقداً عبر الحدود.

ولهذا شددت الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية رقابتها على وصول عدد من المصارف العراقية إلى الدولار، وفرضت قيوداً على مصارف اتُهم بعضها بتسهيل تحويل الأموال أو غسلها لصالح جهات خاضعة للعقوبات. وفي 2024 مُنعت ثمانية مصارف عراقية من إجراء معاملات بالدولار، ثم أضيفت خمسة مصارف أخرى في 2025.

كما اتخذت وزارة الخزانة الأميركية إجراءات ضد مصرف عراقي قالت إنه استُخدم لتسهيل وصول الدولار إلى جهات مرتبطة بإيران.

هذه القيود لا تمنع الطلب على الدولار، وإنما تنقله من المصارف الرسمية إلى السوق الموازية. فالجهة التي لا تستطيع تحويل الأموال عبر مصرف مراسل تبدأ بالبحث عن النقد أو الوسطاء أو طرق التسوية غير الرسمية، وتكون مستعدة لدفع سعر أعلى.

وبذلك يصبح الفرق بين 1320 و1520 جزءاً منه علاوة مخاطر يدفعها من يريد إجراء معاملة لا تستطيع القنوات النظامية تنفيذها.

السبب الثالث: ضعف القطاع المصرفي وتركيز التحويلات

لا يمتلك العراق قطاعاً مصرفياً واسعاً وقادراً على استيعاب جميع التجار والمستوردين بكفاءة متساوية. وقد أظهر تقرير للبنك المركزي أن عدد المصارف المشاركة في التحويلات الخارجية بالدولار انخفض من 32 مصرفاً في 2024 إلى 20 مصرفاً في 2025 نتيجة حرمان عدد من المصارف، كما تركز نحو 75% من التحويلات لدى أربعة مصارف رئيسية فقط.

هذا التركيز يعني أن السوق الرسمية تعتمد على عدد محدود من البوابات المصرفية.

وعندما يزداد الطلب أو تتأخر المعاملات أو ترتفع متطلبات الامتثال، يصبح الوصول إلى الدولار الرسمي أكثر صعوبة بالنسبة إلى الشركات الصغيرة والتجار الجدد.

حتى عندما يكون الدولار متوفراً لدى البنك المركزي، قد تكون قدرة المصارف على استلام طلبات الزبائن وتدقيقها وتحويل الأموال إلى الموردين محدودة.

المشكلة هنا ليست كمية الدولار وحدها، بل طاقة النظام المصرفي على توزيعه بصورة قانونية وسريعة وعادلة.

ومن الطبيعي أن ينتقل التاجر إلى السوق الموازية عندما يحتاج إلى إتمام صفقة خلال يومين، بينما قد تتطلب معاملته المصرفية وقتاً أطول أو وثائق لا يمتلكها.

السبب الرابع: الاقتصاد النقدي وانخفاض الثقة بالمصارف

ما زال جزء كبير من العراقيين يحتفظ بأمواله نقداً خارج المصارف. كما تُنفذ صفقات كبيرة، مثل شراء السيارات والعقارات وبعض أنواع التجارة، بالدولار النقدي أو بالدينار المحسوب وفق سعر الدولار الموازي.

وقد أوصى صندوق النقد بتوسيع استخدام الدينار العراقي في المعاملات الداخلية، خصوصاً معاملات السيارات والعقارات، باعتبار ذلك أحد الإجراءات التي يمكن أن تقلل الطلب غير الضروري على الدولار وتضيق الفجوة بين السعرين.

عندما تُسعر شقة أو سيارة داخل العراق بالدولار، يصبح المواطن بحاجة إلى شراء عملة أجنبية لإتمام معاملة محلية بالكامل.

وهذا طلب لا علاقة له بالاستيراد أو التجارة الدولية. فالعقار موجود في العراق، والبائع عراقي، والمشتري عراقي، لكن الصفقة تُحول إلى الدولار بسبب ضعف الثقة بقيمة الدينار ورغبة البائع في حماية أمواله من تغيرات الأسعار.

كلما اتسعت الفجوة، يزداد خوف الناس من الدينار، ويزداد إقبالهم على الدولار. وكلما ازداد الطلب على الدولار، تتسع الفجوة أكثر. وهكذا تتشكل دائرة يصعب كسرها بالقرارات الإدارية وحدها.

السبب الخامس: الإنفاق الحكومي والسيولة بالدينار

عندما تنفق الدولة مبالغ كبيرة على الرواتب والعقود والمشاريع، تدخل كميات إضافية من الدينار إلى السوق. ولا تمثل زيادة الإنفاق مشكلة بحد ذاتها إذا رافقها ارتفاع في الإنتاج المحلي، لكن جزءاً كبيراً من الطلب العراقي يتجه نحو السلع المستوردة.

وهذا يعني أن جزءاً من كل دينار جديد يُنفق يتحول لاحقاً إلى طلب على الدولار لشراء السيارات والأجهزة والملابس والمواد الغذائية والمواد الإنشائية والخدمات الخارجية.

وقد حذر صندوق النقد من وجود سيولة فائضة، ودعا البنك المركزي إلى امتصاصها وتحسين انتقال السياسة النقدية. كما حذر من أن تمويل العجز عن طريق توسيع القاعدة النقدية يضخ دينارات إضافية من دون زيادة مقابلة في الاحتياطيات الأجنبية، بما يمكن أن يضغط على التوازن بين العملة المحلية والدولار.

كلما ارتفعت كمية الدينار الباحثة عن السلع والدولار، من دون ارتفاع مماثل في الإنتاج والصادرات غير النفطية، يبقى سعر السوق الموازية تحت الضغط.

السبب السادس: التوقعات والمضاربة

سوق الصرف لا يتحرك وفق العرض والطلب الفعليين فقط، بل وفق التوقعات أيضاً.

عندما تنتشر أخبار عن توقف شحنات الدولار أو فرض عقوبات جديدة أو تقييد مصرف عراقي، يبدأ بعض التجار والمواطنين بشراء الدولار خوفاً من ارتفاعه لاحقاً.

حتى الشخص الذي لا يحتاج إلى الدولار اليوم قد يشتريه للاحتفاظ به، وهو ما يحول الخوف من ارتفاع السعر إلى سبب فعلي لارتفاعه.

كما قد يحتفظ بعض الصرافين بالدولار عندما يتوقعون صعود السعر، فينخفض المعروض مؤقتاً ويزداد الارتفاع.

ولهذا قد يتحرك السعر الموازي عدة آلاف من الدنانير خلال أيام، حتى من دون حدوث تغير جوهري مماثل في حجم احتياطيات البنك المركزي.

هل يعاني العراق من نقص حقيقي في الدولار؟

لا يمكن وصف العراق بأنه دولة فقيرة بالدولار. فقد بلغت الاحتياطيات الرسمية نحو 100.3 مليار دولار في نهاية 2024، وهو مستوى يغطي أكثر من أحد عشر شهراً من الاستيرادات وفق تقديرات صندوق النقد الدولي. لكن الصندوق حذر أيضاً من احتمال تراجع الاحتياطيات على المدى المتوسط إذا استمر ارتفاع الإنفاق والحاجة إلى تمويل الاستيرادات والعجز.

إذن المشكلة ليست أن العراق لا يمتلك الدولار، بل أن هناك فرقاً بين:

الدولار الموجود ضمن احتياطيات الدولة.

والدولار الذي يمكن بيعه نقداً أو تحويله عبر المصارف وفق القواعد الدولية.

الاحتياطي ليس صندوقاً مفتوحاً يمكن توزيع محتوياته من دون معرفة الجهة التي ستحصل على الأموال والغرض من استخدامها.

ولو باع البنك المركزي الدولار لكل طالب ومن دون تدقيق، فقد تنخفض الاحتياطيات سريعاً، وقد تتعرض المصارف العراقية لعقوبات أوسع، وقد تنتقل الأموال إلى التجارة غير المشروعة.

وفي المقابل، إذا أصبحت الإجراءات شديدة التعقيد ولا يستطيع التجار الحقيقيون استخدامها، تنتقل معاملاتهم إلى السوق الموازية.

المطلوب إذاً ليس فتح الباب بالكامل أو إغلاقه بالكامل، بل بناء نظام سريع ودقيق يميز بين التجارة الحقيقية والمعاملات المشبوهة.

من المستفيد من استمرار الفجوة؟

أولاً: من يحصل على الدولار الرسمي ثم يسعر على الموازي

أكبر فرصة للربح تظهر عندما يستطيع شخص أو شركة الحصول على الدولار بسعر 1320 ديناراً، ثم يبيع السلعة أو الخدمة للمواطن على أساس أن الدولار كلفه 1520 ديناراً.

لو حصل مستورد على مليون دولار بالسعر الرسمي، فإن كلفته النظرية تبلغ 1.32 مليار دينار. وإذا احتسب سعر بضائعه وفق 1520، تصبح قيمتها المحسوبة 1.52 مليار دينار.

الفارق يصل إلى 200 مليون دينار قبل احتساب الرسوم والنقل والتكاليف الأخرى.

لا يعني ذلك أن جميع المستوردين يفعلون هذا، فهناك تكاليف مصرفية وجمركية وتشغيلية حقيقية. لكن غياب الرقابة على أسعار السلع يسمح لبعض المستفيدين من الدولار الرسمي بالاحتفاظ بجزء كبير من فرق السعر بدلاً من نقله إلى المستهلك على شكل أسعار أقل.

وهكذا يتحول الدعم الذي يفترض أن يخفّض سعر السلعة إلى ربح إضافي للوسيط.

ثانياً: تجار العملة والوسطاء

كلما اتسعت الفجوة، ارتفعت الأرباح المحتملة من شراء الدولار من قناة منخفضة السعر وبيعه في قناة مرتفعة السعر.

حتى لو كان الربح الفعلي أقل من 200 دينار للدولار بسبب العمولات والمخاطر، فإن التعامل بملايين الدولارات يمكن أن ينتج أرباحاً كبيرة.

وللتوضيح الحسابي: كل مليار دولار ينتقل نظرياً من سعر 1320 إلى سعر 1520 يحمل فرق قيمة يبلغ 200 مليار دينار.

هذه ليست تقديراً لحجم التهريب أو الأرباح الفعلية، لكنها توضح لماذا تتحول السيطرة على منافذ الحصول على الدولار إلى نشاط بالغ الأهمية والنفوذ.

ثالثاً: شبكات التجارة والتحويل غير الرسمية

الجهات التي تعمل خارج النظام المصرفي تستفيد من وجود سوق موازية واسعة تستطيع من خلالها شراء الدولار وتحويله أو تسوية المعاملات خارج الرقابة التقليدية.

وكلما كان النظام الرسمي بطيئاً أو مغلقاً أمام فئات واسعة، زاد اعتماد التجار على تلك الشبكات، وارتفعت العمولات التي تتقاضاها.

رابعاً: بعض أصحاب النفوذ داخل سلسلة الاستيراد

الفجوة لا يستفيد منها الصراف وحده. فقد يستفيد منها صاحب شركة وهمية، أو جهة تقدم فواتير مضخمة، أو وسيط مصرفي، أو مستورد يستطيع الوصول إلى السعر الرسمي بينما لا يستطيع منافسوه ذلك.

وعندما تتركز التحويلات لدى عدد قليل من المصارف والشركات، تصبح رخصة الوصول إلى الدولار ميزة تجارية قد تكون أهم من خبرة الشركة أو جودة خدماتها.

خامساً: مالكو المدخرات الدولارية

من يحتفظ بثروته بالدولار يستفيد نسبياً عندما يرتفع السعر الموازي، لأن قيمة مدخراته عند تحويلها إلى الدينار تزداد.

لكن هذا الربح لا يمثل بالضرورة إنتاجاً أو قيمة مضافة، بل يقابله تراجع في القوة الشرائية لمن يتقاضى راتبه بالدينار.

من يدفع ثمن الفجوة؟

أكبر الخاسرين هو الموظف والمتقاعد والعامل الذي يتقاضى دخله بالدينار.

فحتى إذا استورد التاجر السلعة بالدولار الرسمي، فإن سعرها في السوق قد يرتفع مع ارتفاع الدولار الموازي؛ لأن الموازي أصبح مرجعاً نفسياً وتسعيرياً عاماً.

والخاسر الثاني هو التاجر الصغير الذي لا يمتلك حسابات مصرفية متطورة أو علاقات مع مصارف مراسلة، فيشتري الدولار بسعر مرتفع وينافس شركات أكبر تحصل عليه بالسعر الرسمي.

أما الخاسر الثالث فهو الدولة نفسها، لأن استمرار سعرين يضعف الثقة بالسياسة النقدية، ويشجع التعامل النقدي والمضاربة، ويجعل المواطنين يتابعون بورصات الدولار أكثر من المؤشرات الاقتصادية الحقيقية.

لماذا لا يبيع البنك المركزي الدولار للجميع بالسعر الرسمي؟

يبدو الحل بسيطاً للوهلة الأولى: زيادة بيع الدولار حتى ينخفض سعر السوق.

لكن البيع المفتوح من دون قيود يحمل ثلاثة مخاطر.

أولاً، يمكن أن يؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات إذا كان جزء من الطلب لا يرتبط باحتياجات الاقتصاد العراقي، بل بطلب خارجي أو تهريب أو تحويلات غير قانونية.

ثانياً، قد يعرض النظام المصرفي العراقي لعقوبات دولية إذا انتقلت الأموال إلى جهات محظورة.

ثالثاً، سيحصل المضارب على الدولار الرخيص ثم يعيد بيعه بالسوق الأعلى طالما بقيت هناك قنوات تسمح بخروجه أو بإعادة تدويره.

لذلك فإن ضخ المزيد من الدولار قد يخفض السعر بصورة مؤقتة، لكنه لا يلغي الفجوة ما لم يُعالج مصدر الطلب الموازي.

هل يكون الحل برفع السعر الرسمي إلى 1450 أو 1500؟

رفع السعر الرسمي يمكن أن يقلص الفجوة حسابياً خلال يوم واحد، لكنه لا يمثل حلاً كاملاً.

لو رُفع السعر الرسمي من 1320 إلى 1500 بينما بقي الموازي عند 1520، ستنخفض الفجوة من 200 إلى 20 ديناراً فقط.

لكن النتيجة الأخرى هي أن كل سلعة مستوردة بالدولار الرسمي ستصبح أغلى، وستنخفض القوة الشرائية للرواتب والمدخرات بالدينار.

كما ستحصل الحكومة على دينارات أكثر مقابل إيراداتها النفطية الدولارية، ما قد يسهل تمويل الإنفاق، لكنه يعني عملياً تحميل جزء من كلفة الموازنة للمستهلك عن طريق انخفاض قيمة العملة.

والأهم أن السعر الموازي قد لا يبقى عند 1520. فإذا لم تُحل مشكلات التجارة غير الرسمية والتهريب والسيولة، يمكن أن يرتفع إلى 1650 أو أكثر، وتعود الفجوة من جديد عند مستوى أعلى.

لذلك فإن تعديل السعر الرسمي قد يكون أداة ضمن سياسة اقتصادية شاملة عندما تقتضيها الأساسيات المالية، لكنه ليس بديلاً عن إصلاح التجارة والمصارف والجمارك.

هل يمكن إلغاء السوق الموازية بالقوة؟

إغلاق محال الصيرفة أو اعتقال المضاربين قد يهدئ السوق أياماً، لكنه لا يلغي الطلب.

إذا كان هناك تاجر يحتاج إلى دفع 100 ألف دولار لمورد خارجي ولا يستطيع تنفيذ التحويل رسمياً، فسيبحث عن الدولار خارج السوق العلنية. وقد ينتقل التداول من المحال إلى المنازل والمكاتب والتطبيقات والوسطاء.

وفي هذه الحالة يصبح السعر أقل شفافية، وتزداد العمولة والمخاطر.

السوق الموازية لا تختفي بإخفاء لوحات الأسعار، وإنما تختفي عندما يصبح معظم الطلب المشروع قادراً على المرور عبر القنوات الرسمية بسهولة.

الحلول البديلة: كيف يمكن تقليص الفجوة فعلياً؟

1. ربط التحويل الخارجي بالجمارك إلكترونياً

يجب أن تكون كل عملية استيراد سلسلة رقمية واحدة تبدأ من التحويل المصرفي، وتمر بشهادة المنشأ والفاتورة والشحن، وتنتهي بالمنفذ الجمركي والضريبة.

إذا حوّل تاجر مليون دولار لاستيراد أجهزة، يجب أن يعرف النظام كمية الأجهزة التي وصلت وقيمتها والرسوم التي دُفعت.

هذا الربط يمنع الفواتير الوهمية، لكنه في الوقت نفسه يسهل معاملة التاجر الحقيقي، لأنه لن يضطر إلى تقديم الوثائق نفسها إلى جهات متعددة.

2. إدخال التجار الصغار إلى النظام الرسمي

كثير من التجار لا يحتاجون إلى ملايين الدولارات، بل إلى تحويلات تتراوح بين عشرة آلاف ومئة ألف دولار.

يجب إنشاء مسار مصرفي مبسط لهذه الفئات، بمتطلبات واضحة وسقف مناسب ومدة إنجاز محددة.

كل تاجر حقيقي ينتقل من الصراف إلى المصرف يعني انخفاضاً في الطلب على السوق الموازية.

3. زيادة عدد المصارف القادرة على التحويل

تركيز 75% من التحويلات لدى أربعة مصارف يخلق اختناقاً ومخاطر احتكار. المطلوب تأهيل عدد أكبر من المصارف العراقية وربطها بمصارف مراسلة موثوقة، لا تخفيف معايير الامتثال.

ويجب نشر مؤشرات شهرية عن مدة تنفيذ التحويلات، ونسب الرفض، وأسباب التأخير، وكلفة الخدمة في كل مصرف.

المنافسة بين المصارف ستخفض العمولات وتسرع الإجراءات وتمنع تحويل الوصول إلى الدولار إلى امتياز لفئة محدودة.

4. استخدام عملات أخرى في التجارة المشروعة

ليس من الضروري أن تمر كل تجارة العراق بالدولار. يمكن تمويل بعض الاستيرادات باليورو أو اليوان أو الدرهم أو عملات أخرى، بشرط أن تكون التسويات قانونية وشفافة ومتوافقة مع القواعد الدولية.

وقد شجع صندوق النقد المصارف العراقية على توسيع شبكة المصارف المراسلة، بما في ذلك العلاقات بعملات غير الدولار.

تنويع العملات لا يعني التحايل على العقوبات، وإنما تخفيف الضغط عن الدولار عندما تكون السلعة والمورد والمصرف قادرين على التسوية بعملة أخرى.

5. إلزام المعاملات الداخلية الكبيرة بالدينار

يجب أن تُسعر العقارات والسيارات والعقود المحلية بالدينار، وأن تُنفذ المدفوعات الكبيرة عن طريق الحسابات المصرفية.

يمكن ربط تسجيل السيارة أو العقار بإثبات تحويل مصرفي بالدينار، مع وضع حدود للتعامل النقدي.

هذا الإجراء يخفض الطلب المحلي غير الضروري على الدولار، ويجعل حركة الأموال قابلة للتتبع، ويزيد الودائع في القطاع المصرفي.

6. توسيع الدفع الإلكتروني وبناء الثقة بالمصارف

إجبار المواطن على استخدام المصرف من دون ضمان حقوقه لن ينجح. يجب أن يترافق الدفع الإلكتروني مع حماية الودائع، وخدمات مصرفية سريعة، وإمكانية السحب والتحويل، ونظام فعال لمعالجة الشكاوى.

كلما شعر المواطن بأن حسابه المصرفي آمن وقابل للاستخدام، انخفضت حاجته إلى الاحتفاظ بالنقد والدولار في المنزل.

7. ضبط المنافذ الحدودية قبل مطاردة الصراف

إذا بقيت البضائع تدخل بطرق غير رسمية، فسيبقى تمويلها يتم بطرق غير رسمية.

لذلك فإن إصلاح الجمارك والمنافذ يمثل جزءاً من سياسة سعر الصرف، وليس ملفاً منفصلاً.

ويجب توحيد التعرفة والتقييم الجمركي بين جميع المنافذ، ومنع اختلاف قيمة الفاتورة بين المنفذ والمصرف والهيئة الضريبية.

8. امتصاص السيولة الزائدة

يحتاج البنك المركزي إلى أدوات تمنح المصارف والمواطنين عائداً معقولاً على الدينار، مثل الودائع والسندات وأدوات الادخار قصيرة الأجل.

إذا كان الاحتفاظ بالدينار لا يحقق عائداً، بينما يعتقد المواطن أن الدولار سيستمر بالصعود، فسيتحول الادخار إلى العملة الأجنبية.

لكن وجود أدوات دينارية آمنة ومربحة يمكن أن يقلل الطلب على الدولار لأغراض الادخار والمضاربة.

9. ضبط الإنفاق العام

لا يمكن للبنك المركزي وحده حماية سعر الصرف إذا استمرت السياسة المالية بضخ دينارات كبيرة في اقتصاد يعتمد على الاستيراد.

ينبغي ربط نمو الإنفاق الحكومي بنمو الإيرادات المستدامة والإنتاج المحلي، وتجنب تمويل العجز عن طريق توسع نقدي غير مغطى بزيادة مماثلة في الاحتياطيات أو الإنتاج.

10. استهداف الجريمة المالية لا السوق بأكملها

يجب استخدام التحليل المالي والبيانات لتحديد الشركات الوهمية والتحويلات المشبوهة والمتاجرين بالدولار المدعوم، بدلاً من فرض قيود عامة تضر بالتاجر الحقيقي.

كلما كانت الرقابة أدق، أمكن تسهيل الإجراءات للملتزمين وتشديدها على المخالفين.

ما الهدف الواقعي؟

من غير الواقعي توقع اختفاء السوق الموازية تماماً خلال أشهر، لكن يمكن وضع هدف لتقليص الفجوة تدريجياً إلى أقل من 5%.

عند سعر رسمي يبلغ 1320 ديناراً، يعني ذلك سعراً موازياً لا يتجاوز تقريباً 1385 ديناراً.

أما استمرار السعر عند 1520 أو 1540، فيعني أن الإصلاحات المصرفية لم تصل بعد إلى جميع مصادر الطلب، وأن جزءاً مهماً من النشاط التجاري والمالي ما زال خارج النظام.

النجاح لا يقاس فقط بزيادة مبيعات الدولار، وإنما بزيادة نسبة التجارة الممولة مصرفياً، وانخفاض التداول النقدي، وارتفاع الإيرادات الجمركية، وتراجع التحويلات المرفوضة، وزيادة عدد المصارف المراسلة.

الخلاصة: الفجوة ليست لغزاً بل نتيجة نظامين اقتصاديين

الفرق بين 1320 و1520 ليس خطأً حسابياً، ولا مؤامرة يصنعها صراف واحد، ولا مشكلة يمكن حلها بقرار أمني مؤقت.

إنه نتيجة وجود اقتصادين داخل العراق:

اقتصاد رسمي يمتلك الفواتير والحسابات المصرفية والقدرة على الوصول إلى الدولار المدعوم.

واقتصاد نقدي غير رسمي يمول تجارته وتحويلاته ومدخراته من السوق الموازية.

وبين الاقتصادين تقف شبكات ووسطاء وشركات ومصارف وتجار يحقق بعضهم أرباحاً كبيرة من فرق السعر.

المستفيد الأكبر هو من يستطيع شراء الدولار الرسمي والتصرف به أو تسعير منتجاته وفق الموازي. والخاسر الأكبر هو المواطن الذي يتقاضى راتبه بالدينار ويشتري احتياجاته بأسعار مرتبطة بالدولار الأعلى.

الحل ليس ببيع الاحتياطيات بلا رقابة، وليس برفع السعر الرسمي فقط، وليس بإغلاق الصيرفات. الحل هو توسيع الطريق الرسمي حتى يستوعب التجارة الحقيقية، وإغلاق منافذ التهريب والتلاعب، وربط المصارف بالجمارك، وتعزيز استخدام الدينار، وضبط السيولة والإنفاق العام.

طالما بقي الحصول على دولار 1320 امتيازاً، والحصول على دولار 1520 ضرورة، ستستمر الفجوة وسيستمر المستفيدون منها.

أما عندما يصبح التاجر الحقيقي قادراً على التحويل بسهولة، وتصبح التجارة غير الرسمية أكثر كلفة وصعوبة، وتُنفذ المعاملات المحلية بالدينار، عندها لن تحتاج الدولة إلى مطاردة سعر السوق؛ لأن السوق نفسه سيقترب تدريجياً من السعر الرسمي.

مقالات ذات صلة

العراق بين نار الحرب واختناق هرمز: كيف تحوّل منفذ واحد إلى تهديد للاقتصاد الوطني؟
١٢ تموز ٢٠٢٦

العراق بين نار الحرب واختناق هرمز: كيف تحوّل منفذ واحد إلى تهديد للاقتصاد الوطني؟

الصراع الأميركي الإيراني كشف خطأً استراتيجياً استمر لعقود؛ فالعراق لم يعتمد على النفط وحده، بل اعتمد أيضاً على منفذ واحد لتصدير هذا النفط. والحل لا يقتصر على إنشاء أنابيب جديدة، بل يبدأ بتنويع الصادرات وبناء اقتصاد لا تتوقف رواتبه وموازنته عند أول أزمة إقليمية.

اقرأ المقال
الإصلاحات النقدية والمالية العاجلة في ظل أزمة تصدير النفط وتضخم النفقات التشغيلية في العراق
١٥ أيار ٢٠٢٦

الإصلاحات النقدية والمالية العاجلة في ظل أزمة تصدير النفط وتضخم النفقات التشغيلية في العراق

يمرّ العراق اليوم بمرحلة اقتصادية تُعد من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات طويلة، ليس فقط بسبب التحديات المالية التقليدية، بل نتيجة تزامن عدة أزمات معقدة في وقت واحد، بعضها داخلي ناتج عن تراكمات اقتصادية وإدارية امتدت لسنوات، وبعضها خارجي يرتبط بالتوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة، والتي باتت تؤثر بشكل مباشر على استقرار أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية.

اقرأ المقال
مصارف الظل في العراق
١ أيار ٢٠٢٦

مصارف الظل في العراق

حين يُقرضك الظل ويَسحب منك النور

اقرأ المقال